محمد أبو زهرة
3849
زهرة التفاسير
فرطتم في يوسف ، وألقيتموه في غيابة الجب ، وهذا الكلام يدل على أن أخاهم الأكبر لم يكن راضيا عن فعلتهم مع يوسف ، ويؤكد صدق الرواية التي تقول : إنه كان غائبا ، إذ فعلوا فعلتهم مع يوسف ، وأنه حاول أن يستعيده ويخرجه من الجب ، ولكن السيارة كانوا قد أخذوه . أبدى الكبير العهد ، وأبدى استنكاره لتفريطهم في يوسف ، وعبر عن فعلهم بأنه تفريط في حق الأخوة ، واستهانة بالواجب نحوها ، سيرا في طريق الحقد ، والغى ، فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ، أي مصر ، حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ . ولكن كما أشرنا انبعث فيهم ما كان قد اختفى من نفوسهم الحاسدة ، فقالوا في نجواهم : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ( 81 ) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 82 ) . يتضمن هذا الكلام الذي حكاه اللّه تعالى عن سائر الإخوة مفردا الكبير بكلام عاطف نابع من النفس اللوامة ، وكلامهم هذا يشير إلى معان : المعنى الأول : أنهم استهانوا بالأمر ، وأن الأمر لا يتجاوز أن ابنه سرق ، وما عبروا بأنه أخوهم بل بأنه ابنه ، وهي نغمة الافتراق الحاسدة . المعنى الثاني : أنهم لم يقولوا اتهم بالسرقة ، بل يقولون : إنه سرق ، مؤمنين بذلك مستوثقين ومؤكدين ، وذلك من بقايا حسدهم وحقدهم عليه . المعنى الثالث : أنهم يؤكدون سرقته بثلاثة أمور : الأمر الأول : شهادة القرية التي كانوا فيها وهي المدينة العظيمة بمصر . الأمر الثاني : شهادة العير التي كنا فيها .